جابر بن حيان
34
مجموعة مصنفات في الخيمياء والإكسير الأعظم
ما ذا يمكننا استنتاجه من خلال هذا الوصف العام لرؤية العلوم عند جابر ؟ إنّ مقوّمات علم الكونيات لديه وتقسيم العلوم الذي تنتج عنها ليست مبتكرة طبعا ، فهي تجمع بين مبادئ أفلاطونية محدثة وهرمسية وغنّوصيّة « 1 » ، وهي كانت القاعدة الفكرية المشتركة لعدد كبير من المناهج الفلسفية في ذلك العصر . ولكن ما تجدر ملاحظته عند جابر هو الخطوة الأولى العمليّة ، والربط الحاصل بين الخيمياء واللغة . إن طموح الخيمياء الأساسي ليس إقامة منهج كامل لعلم الكونيات النظري ، بل إيضاح العمل المخبري وتسهيله ، حيث ستتكشف الحقائق العليا . إنّ الاتفاق المتميّز بين دلالات اللغة الإنسانية ودلالات المظاهر الطبيعية في فكر جابر هو ، بصورة ما ، نوع من الحرص على إيجاد فعالية عملية . ولنلاحظ من ثمّ أنّ المنهج الجابري للموازين يدلّ على ثقة عميقة بقدرة العقل الإنساني على فهم الواقع وتحويله ، فالطبيعة ليست بالنسبة له دفقا هيرقليطيا « 2 » لا يدرك ، والأفلاطونية المتضمّنة في
--> ( 1 ) الغنوصية : تيار ديني باطني ظهر في مصر في القرون الميلادية الأولى ، أساسه التخلّص من آلام عالم الدنيا والجهل المتعلّق به للتوصّل إلى الأبعاد الوجودية العليا السماوية عن طريق اكتساب المعارف الباطنية . لقد ظهرت غنوصية مسيحية ، وأخرى يهودية . أمّا الغنوصية الإسلامية ، فتتمثّل في العرفان الشيعي والإشراق وبعض المذاهب الصوفية . ( 2 ) كان هيرقليط فيلسوفا يونانيا عاش في القرن السادس والخامس قبل -